إضافة رد 
التفسير التجزيئي والتفسير التوحيدي للقرآن الكريم
الكاتب الموضوع
مارتينوس غير متصل
عضو مشارك
**

المشاركات : 5
الإنتساب : Sep 2010
مشاركات : #1
التفسير التجزيئي والتفسير التوحيدي للقرآن الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم

وأفضل الصلوات على سيد الخلق محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
ربنا فقهنا في كتابك واكشف عن قلوبنا ظلمات الذنوب لكي نتفهم آياتك وأزح عن بصائرنا غشاوة الدنيا وبريقها الكاذب لكي نملا نفوسنا بهداك واجعلنا من حملة قرآنك وسنة نبيك والسائرين على طريق طاعتك. ندعو بلغة القرآن وبلسان القرآن:
ربّنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنّك على كلّ شي قدير(1)، ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربّنا ولا تحمل علينا اصراً كما حملته على الّذين من قبلنا، ربّنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به واعف عنّا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين(2)، ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الّذين سبقونا للإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاّ للذين آمنوا، ربّنا إنّك رؤوف رحيم(3).
لاشك في تنوع التفسير واختلاف مذاهبه وتعدد مدارسه والتباين في كثير من الأحيان بين اهتماماته واتجاهاته: فهناك التفسير الذي يهتم بالجانب اللفظي والأدبي والبلاغي من النص القرآني. وهناك التفسير الذي يركز على الحديث ويفسر النص القرآني بالمأثور عنهم عليهم السلام أو بالمأثور عن الصحابة والتابعين. وهناك التفسير الذي يعتلج العقل أيضاً كأداة من عمق التفسير وفهم كتاب اللّه سبحانه وتعالى وهناك التفسير المتحيز الذي يتخذ مواقف مذهبية مسبقة، يحاول أن يطبق النص القرآني على أساسها. وهناك التفسير غير المتحيز الذي يحاول أن يستنطق القرآن نفسه، ويطبق الرأي على القرآن لا القرآن على الرأي إلى غير ذلك من الاتجاهات المختلفة في التفسير الإسلامي، إلاّ إن الذي يهمنا بصورة خاصة ونحن على أبواب هذه الدراسة القرآنية، أن نركز على إبراز اتجاهين رئيسيين لحركة التفسير في الفكر الإسلامي:

ونطلق على أحدهما اسم ((الاتجاه التجزيئي في التفسير)).

وعلى الآخر اسم ((الاتجاه التوحيدي أو الموضوعي في التفسير)).

ونعني بالاتجاه التجزيئي المنهج الذي يتناول المفسر ضمن اطاره القرآن الكريم آية فآية وفقاً لتسلسل تدوين الآيات في المصحف الشريف.
والمفسر في إطار هذا المنهج يسير مع المصحف ويفسر قطعاته تدريجاً بما يؤمن به من أدوات ووسائل للتفسير من الظهور أو المأثور من الأحاديث أو بلحاظ الآيات الأخرى التي تشترك مع تلك الآية في مصطلح أو مفهوم، بالقدر الذي يلقي ضوءاً على مدلول القطعة
القرآنية التي يراد تفسيرها مع أخذ السياق الذي وقعت تلك القطعة ضمنه بعين الاعتبار من كل تلك الحالات.
وطبعاً نحن حينما نتحدث عن التفسير التجزيئي نقدمه في أوسع وأكمل صوره التي انتهى إليها، وإن التفسير التجزيئي تدرّج تاريخيا إلى أن وصل إلى مستوى الاستيعاب الشامل للقرآن الكريم بالطريقة التجزيئية.
وكان قد بدأ في عصر الصحابة التابعين على مستوى شرح تجزيئي لبعض الآيات القرآنية وتفسير لمفرداتها، وكلما امتد الزمن ازدادت الحاجة إلى تفسير المزيد من الآيات إلى أن انتهى إلى الصورة التي قدم فيها ابن ماجة والطبري غيرهما ممن كتب في التفسير في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع، وكانت تمثل أوسع صورة للمنهج التجزيئي في التفسير.
فالمنهج التجزيئي في التفسير حيث أنه كان يستهدف فهم مدلول ((اللّه))، وحيث ان فهم مدلول ((اللّه)) كان في البداية متيسراً لعدد كبير من الناس ثم بدأ اللفظ يتعقد من حيث المعنى بمرور الزمن وازدياد الفاصل وتراكم لقدرات والتجارب، وتطور الأحداث والأوضاع.
من هنا توسع التفسير التجزيئي تبعاً لما اعترض النص القرآني من غموض ومن شك في تحديد مفهوم ((اللّه)) تتكامل في الطريقة التي نراها في موسوعات التفسير حيث ان المفسر يبدأ من الآية الأولى من سورة الفاتحة إلى سورة الناس فيفسر القرآن آية آية، لان الكثير من الآيات بمرور الزمن أصبح معناها ومدلولها اللفظي بحاجة إلى إبراز أو تجربة أو تأكيد ونحو ذلك، هذا هو التفسير التجزيئي.
طبعاً نحن لا نعني بالتجزيئية لمثل هذا المنهج التفسيري أن المفسر يقطع نظره عن سائر الآيات ولا يستعين بها في فهم الآية المطروحة للبحث، بل انه قد يستعين بآيات أخرى في هذا المجال كما يستعين بالأحاديث والروايات، ولكن هذه الاستعانة تتم بقصد الكشف عن المدلول اللفظي الذي تحمله الآية المطروحة للبحث، فالهدف في كل خطوة من هذا التفسير فهم مدلول الآية التي يواجهها المفسر بكل الوسائل الممكنة أي أن الهدف ((هدف تجزيئي))، لأنه يقف دائما عند حدود فهم هذا الجزأ وذاك من النص القرآني ولا يتجاوز ذلك غالبا، وحصيلة تفسير تجزيئي للقرآن الكريم كله تساوي على أفضل تقدير مجموعة مدلولات القرآن الكريم ملحوظة بنظرة تجزيئية أيضاً، أي أنه سوف نحصل على عدد كبير من المعارف والمدلولات القرآنية، ولكن في حالة تناثر وتراكم عددي دون أن نكتشف أوجه الارتباط، دون أن نكتشف التركيب العضوي لهذه المجاميع من الأفكار، دون أن نحدد في نهاية المطاف نظرية قرآنية لكل مجال من مجالات الحياة فهناك تراكم عددي للمعلومات، إلاّ أن مجموع ما بين هذه المعلومات، الروابط والعلاقات ما بين هذه المعلومات التي تحولها إلى مركبات نظرية ومجاميع فكرية بالإمكان ان نحضّر على أساسها نظرية القرآن لمختلف المجالات والمواضيع، أما هذا فليس
مستهدفا بالذات في منهج التفسير التجزيئي وان كان قد يحصل أحيانا، ولكن ليس هو المستهدف بالذات في منهج التفسير التجزيئي.
وقد أدت حالة التناثر ونزعة الاتجاه التجزيئي إلى ظهور التناقضات المذهبية العديدة في الحياة الإسلامية، إذ كان يكفي أن يجد هذا المفسر أو ذاك آية تبرر مذهبه لكي يعلن عنه ويجمع حوله الأنصار والأشياع كما وقع في كثير من المسائل الكلامية كمسألة الجبر والتفويض والاختيار مثلا.
بينما كان بالإمكان تفادي كثير من هذه التناقضات لو أن المفسر التجزيئي خطا خطوة أخرى ولم يقتصر على هذا التجميع العددي كما نري ذلك في الاتجاه الثاني.
الاتجاه الثاني: نسميه الاتجاه التوحيدي أو الموضوعي في التفسير.
هذا الاتجاه لا يتناول تفسير القرآن آية فآية بالطريقة التي يمارسها التفسير التجزيئي، بل يحاول القيام بالدراسة القرآنية لموضوع من موضوعات الحياة العقائدية أو الاجتماعية أو الكونية فيبين ويبحث ويدرس، مثلا عقيدة التوحيد في القرآن أو يبحث عن النبوة في القرآن أو عن المذهب الاقتصادي في القرآن أو عن سنن التاريخ في القرآن أو عن السماوات والأرض في القرآن الكريم وهكذا.
ويستهدف التفسير التوحيدي الموضوعي من القيام بهذه الدراسات تحديد موقف نظري للقرآن الكريم وبالتالي للرسالة الإسلامية من ذلك الموضوع من موضوعات الحياة أو الكون.
وينبغي أن يكون واضحا أن الفصل بين الاتجاهين المذكورين ليس حديا على مستوى الواقع العملي والممارسة التاريخية لعملية التفسير لان الاتجاه الموضوعي بحاجة طبعاً إلى تحديد المدلولات التجزيئية في الآيات التي يريد التعامل معها ضمن اطار الموضوع الذي يتبناه. كما أن الاتجاه التجزيئي قد يعثر في أثناء الطريق بحقيقة قرآنية من حقائق الحياة الأخرى، ولكن الاتجاهين على أي حال يظلان على الرغم من ذلك مختلفين في ملامحهما واهدافهما وحصيلتهما الفكرية.
ومما ساعد على شيوع الاتجاه التجزيئي للتفسير وسيطرته على الساحة قرونا عديدة، النزعة الروائية والحديثية للتفسير، حيث أن التفسير لم يكن في الحقيقة وفي البداية إلاّ شعبة من الحديث بصورة أو بأخرى وكان الحديث هو الأساس الوحيد تقريبا، مضافا إلى بعض المعلومات اللغوية والأدبية والتاريخية، كان هو الأساس الوحيد مضافاً إلى بعض هذه المعلومات التي يعتمد عليها التفسير طيلة فترة طويلة من الزمن.
ومن هنا لم يكن بإمكان تفسير يقف عند حدود المأثور من الروايات عن الصحابة والتابعين وعن الرسول والائمة، الروايات التي كانت تثيرها استفهامات عقلية على الأغلب من قبل الناس، من قبل السائلين لم يكن بإمكان تفسير يعتمد على هذه الروايات التي تستثار من قبل
أسئلة عقلية من هذا القبيل، لم يكن بإمكانه أن يتقدم خطوة أخري وأن يحاول تركيب مدلولات القرآن والمقارنة بينها واستخراج النظرية من وراء هذه المدلولات اللفظية. التفسير كان بطبعه تفسيرا لفظيا تفسيرا للمفردات لما استبدل من المفردات وشرح بعض المستجد من المصطلحات وتطبيق بعض المفاهيم على أسباب النزول ومثل هذه العملية لم يكن بإمكانها أن تقوم بدور اجتهادي مبدع، في التوصل إلى ما وراء المدلول اللغوي واللفظي التوصل إلى الأفكار الأساسية التي حاول القرآن الكريم ان يعطيها من خلال المتناثر من آياته الشريفة.
ويمكننا ان نقرب إلى اذهانكم فكرة هذين الاتجاهين المختلفين في تفسير القرآن الكريم بمثال من تجربتكم الفقهية، فالفقه هو بمعنى من المعاني تفسير للأحاديث الواردة عن النبي والائمة(ع) ونحن نعرف من البحث الفقهي ان هناك كتبا فقهية شرحت الأحاديث حديثا حديثا، تناولت كل حديث وشرحته، وتكملت عنه دلالة أو سندا أو متناً، أو دلالة وسندا ومتنا، على اختلاف اتجاهات الشراح. كما نجد ذلك في شراح الكتب الأربعة وشراح الوسائل، غير ان القسم الأعظم من الكتب الفقهية والدراسات العلمية في هذا المجال لم تتجه هذا الاتجاه بل صنفت البحث إلى مسائل وفقا لوقائع الحياة وجعلت في إطار كل مسألة الأحاديث التي تتصل بها وفسرتها بالقدر الذي يلقي ضوءاً على تلك المسألة ويؤدي إلى تحديد موقف الإسلام من تلك الواقعة التي تفترضها المسألة المذكورة وهذا هو الاتجاه الموضوعي على الصعيد الفقهي، بينما ذاك هو الاتجاه التجزيئي في تفسير الأحاديث على هذا الصعيد.
كتاب الجواهر في الحقيقة شرح كامل شامل لروايات الكتب الأربعة ولكنه ليس شرحا يبدأ بالكتب الأربعة روآية روآية وإنما يصنف روايات الكتب الأربعة وفقا للحياة، وفقا لمواضيع الحياة، كتاب البيع، كتاب الجعالة، كتاب إحياء الموات، كتاب النكاح، ثم يجمع تحت كل عنوان من هذه العناوين الروايات التي تتصل بذلك الموضوع ويشرحها ويقارن فيما بينها يخرج بنظرية لأنه لا يكتفي بأن يفهم معنى هذه الروآية فقط بصورة متفردة، ومعنى هذه الروآية بصورة منفردة إذ مع هذه الحالة من الفردية لا يمكن أن يصل إلى الحكم الشرعي، وإنما يصل إلى الحكم الشرعي عن طريق دراسة مجموعة من الروايات التي تحمل مسؤولية توضيح حكم واحد أو باب واحد من أبواب الحياة، ثم عن طريق هذه الدراسة الشاملة يستخرج نظرية واحدة التي تعطى من قبل مجموعة من الروايات لا من قبل روآية روآية.
هذا هو الاتجاه الموضوعي عن شرح الأحاديث.
ومن خلال المقارنة بين الدراسات القرآنية والدراسات الفقهية نلاحظ اختلاف مواقع الاتجاهين على الصعيدين فبينما انتشر الاتجاه الموضوعي والتوحيدي على الصعيد الفقهي وما خطا الفقه والفكر الفقهي خطوات في مجال نموه وتطوره حتى ساد هذا الاتجاه جل البحوث الفقهية، نجد أن العكس هو الصحيح على الصعيد القرآني حيث سيطر الاتجاه التجزيئي
للتفسير على الساحة عبر ثلاثة عشر قرنا تقريبا، إذ كان كل مفسر يبدأ كما بدأ سلفه فيفسر القرآن آية آية.
إذن الاتجاه الموضوعي هو الذي سيطر على الساحة الفقهية بينما الاتجاه التجزيئي هو الذي سيطر على الساحة القرآنية. وأما ما ظهر على الصعيد القرآني من دراسات تسمى بالتفسير الموضوعي أحيانا من قبيل دراسات بعض المفسرين حول موضوعات معينة تتعلق بالقرآن الكريم كأسباب النزول أو القراءات أو الناسخ والمنسوخ أو مجازات القرآن فليست من التفسير التوحيدي والموضوعي بالمعنى الذي نريده فإن هذه الدراسات ليست في الحقيقة إلاّ تجميعا عدديا لقضايا من التفسير التجزيئي لوحظ فيما بينها شي من التشابه وفي كلمة أخرى ليست كل عملية تجميع أو عزل دراسة موضوعية، وإنما الدراسة الموضوعية هي التي تطرح موضوعا من موضوعات الحياة العقائدية أو الاجتماعية أو الكونية وتتجه إلى درسه وتقييمه من زاوية قرآنية للخروج بنظرية قرآنية بصدده.
واكثر ظني ان الاتجاه التوحيدي والموضوعي في الفقه بامتداده وانتشار ساعد بدرجة كبيرة على تطوير الفكر الفقهي وإثراء الدراسات العلمية في هذا المجال بقدر ما ساعد انتشار الاتجاه التجزيئي في التفسير على إعاقة الفكر الإسلامي القرآني عن النمو المكتمل وساعد على اكتسابه حالة تشبه الحالات التكرارية حتى نكاد نقول ان قرونا من الزمن متراكمة مرت بعد تفاسير الطبري والرازي والشيخ الطوسي، لم يحقق فيها الفكر الإسلامي مكاسب حقيقية جديدة، وظل التفسير ثابتا لا يتغير إلاّ قليلا خلال تلك القرون على الرغم من ألوان التغير التي حفلت بها الحياة في مختلف الميادين وسوف يتضح إن شاء اللّه تعالى من خلال المقارنة بين الاتجاهين: الاتجاه التجزيئي والاتجاه التوحيدي، السبب والسر الذي يكمن وراء هذه الظاهرة.
لماذا كانت الطريقة التجزيئية عاملاً في إعاقة النمو؟ ولماذا تكون الطريقة الموضوعية والاتجاه التوحيدي عاملا في النمو والإبداع وتوسيع نطاق حركة الاجتهاد؟ لكي نعرف لماذا كان هذا ولماذا كان ذاك؟ يجب أن نكوّن انطباعات أوضح وأكثر تحديدا عن هذين الاتجاهين: الاتجاه التجزيئي، والاتجاه التوحيدي، وإنما يتضح ذلك بعد أن نشرح بعض أوجه الاختلاف بين الاتجاهين. ويمكن توضيح بعض أوجه الاختلاف بين هذين الاتجاهين التفسيريين فيما يلي:.
أولاً: إن المفسر التجزيئي دوره في التفسير على الأغلب سلبي فهو يبدأ أولا بتناول النص القرآني المحدد آية مثلا أو مقطعاً قرآنيا دون أي افتراضات أو مطروحات مسبقة ويحاول أن يحدد المدلول القرآني على ضوء ما يسعفه به اللفظ مع ما يتاح له من القرائن المتصلة والمنفصلة، العملية في طابعها العام، عملية تفسير نص معين وكأن دور النص فيها دور المتحدث ودور المفسر هو الإصغاء والتفهم وهذا ما نسميه بالدور السلبي، المفسر هنا شغله
أن يستمع لكن بذهن مضي، بفكر صاف، بروح محيطة بآداب اللغة وأساليبها، في التعبير بمثل هذه الروح، بمثل هذه الذهنية وبمثل هذا الفكر يجلس بين يدي القرآن ليستمع فهو ذو دور سلبي والقرآن ذو دور إيجابي والقرآن يعطي حينئذ وبقدر ما يفهم هذا المفسر من مدلول اللفظ يسجل في تفسيره.
وخلافا لذلك المفسر التوحيدي والموضوعي فانه لا يبدأ عمله من النص بل من واقع الحياة يركز نظره على موضوع من موضوعات الحياة العقائدية أو الاجتماعية أو الكونية ويستوعب ما اثارته تجارب الفكر الإنساني حول ذلك الموضوع من مشاكل وما قدمه الفكر الإنساني من حلول، وما طرحه التطبيق التاريخي من أسئلة ومن نقاط‍ فراغ ثم يأخذ النص القرآني، لا ليتخذ من نفسه بالنسبة إلى النص دور المستمع والمسجل فحسب، بل ليطرح بين يدي النص موضوعا جاهزا مشرباً بعدد كبير من الأفكار والمواقف البشرية ويبدأ مع النص القرآني حواراً سؤال وجواب، المفسر يسأل والقرآن يجيب، المفسر على ضوء الحصيلة التي استطاع ان يجمعها من خلال التجارب البشرية الناقصة من خلال أعمال الخطأ والصواب التي مارسها المفكرون على الأرض لابد وان يكون قد جمع حصيلة ترتبط بذلك الموضوع ثم ينفصل عن هذه الحصيلة ليأتي ويجلس بين يدي القرآن الكريم لا يجلس ساكتاً ليستمع فقط بل يجلس محاوراً، يجلس سائلاً ومستفهماً ومتدبراً فيبدأ مع النص القرآني حواراً حول هذا الموضوع، وهو يستهدف من ذلك ان يكتشف موقف القرآن الكريم من الموضوع المطروح والنظرية التي بإمكانه أن يستلهمها من النص، من خلال مقارنة هذا النص بما استوعبه الباحث عن الموضوع من أفكار واتجاهات.
ومن هنا كانت نتائج التفسير الموضوعي نتائج مرتبطة دائما بتيار التجربة البشرية لأنها تمثل المعالم والاتجاهات القرآنية لتحديد النظرية الإسلامية بشأن موضوع من مواضيع الحياة.
ومن هنا أيضاً كانت عملية التفسير الموضوعي عملية حوار مع القرآن الكريم واستنطاق له، وليست مجرد استجابة سلبية بل استجابة فعالة وتوظيفا هادفا للنص القرآني في سبيل الكشف عن حقيقة من حقائق الحياة الكبرى.
قال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ وهو يتحدث عن القرآن الكريم ((ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق ولكن أخبركم عنه، إلاّ ان فيه علم ما يأتي والحديث عن الماضي ودواء دائكم ونظم ما بينكم))(4) التعبير بالاستنطاق الذي جاء في كلام ابن القرآن ـ عليه السلام ـ أروع تعبير عن عملية التفسير الموضوعي بوصفها حواراً مع القرآن الكريم وطرحا للمشاكل الموضوعية عليه بقصد الحصول على الإجابة القرآنية عليها.
إذن فأول اوجه الاختلاف الرئيسية بين الاتجاه التجزيئي في التفسير والاتجاه الموضوعي في التفسير ان الاتجاه التجزيئي يكون دور المفسر فيه دورا سلبيا يستمع ويسجل بينما التفسير
الموضوعي ليس هذا معناه وليس هذا كنهه وإنما وظيفة التفسير الموضوعي دائما في كل مرحلة وفي كل عصر ان يحمل المقولات التي تعلمها في تجربته البشرية ثم يضعها بين يدي القرآن الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ليحكم على هذه الحصيلة بما يمكن لهذا المفسر ان يفهمه ان يستشفه ان يتبينه من خلال مجموعة آياته الشريفة.
أذن فهنا يلتحم القرآن مع الواقع، يلتحم القرآن مع الحياة، لان التفسير يبدأ من الواقع وينتهي إلى القرآن لا انه يبدأ من القرآن وينتهي بالقرآن وينتهي بالقرآن فتكون عملية منعزلة عن الواقع منفصلة عن تراث التجربة البشرية بل هذه العملية تبدأ من الواقع وتنتهي بالقرآن بوصفه القيم والمصدر الذي يحدد على ضوئه الاتجاهات الربانية بالنسبة إلى ذلك الواقع.
ومن هنا تبقى للقرآن حينئذ قدرته على القيمومة دائماً قدرته على العطاء المستجد دائماً قدرته على الإبداع لان المسألة هنا ليست مسألة تفسير لفظ فان طاقات التفسير اللغوي ليست طاقات لا متناهية بينما القرآن الكريم دلت الروايات على انه لا ينفد وصرح القرآن الكريم بأن كلمات اللّه لا تنفد، القرآن الكريم عطاء لا ينفد بينما التفسير اللغوي ينفد لان اللغة لها طاقات محدودة، وليس هناك تجدد في المدلول اللغوي، ولو وجد لغة أخرى بعد القرآن لا معنى لان يفهم القرآن من خلال لغة جديدة أو مصطلحات جديدة أو ألفاظ تحمل مدلولات وضعية استهدفت بعد القرآن.
إذن هذا العطاء الذي لا ينفد للقرآن، هذه المعاني التي لا تنتهي للقرآن التي نص عليها القرآن نفسه، ونصحت عليه أحاديث أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، هذه الحالة من عدم النفاد، تكمن في هذا المنهج، منهج التفسير الموضوعي لأننا نستنطق القرآن وان في القرآن علم ما كان وعلم ما يأتي لان في القرآن دواء دائنا، لان في
القرآن نظم ما بيننا، ولان في القرآن ما يمكن ان نستشف منه مواقف السماء تجاه تجربة الأرض.
فمن هنا كان التفسير الموضوعي قادرا على ان يتطور على ان، ينمو على ان يثرى لان التجربة البشرية تثريه والدرس القرآني والتأمل القرآني على ضوء التجربة البشرية يجعل هذا الثراء محمولا إلى فهم إسلامي قرآني صحيح.
والحمد لله رب العالمين.
------------------------------------------------------------------------------
(1) سورة التحريم آية: 8
(2) سورة البقرة آية: 286
(3) سورة الحشر آية: 10
(4) نهج البلاغة خطبة: 158

09-18-2010 06:27 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
محمد حسين الناجي غير متصل
عضو مشارك
**

المشاركات : 4
الإنتساب : Sep 2010
مشاركات : #2
RE: التفسير التجزيئي والتفسير التوحيدي للقرآن الكريم
[color=#006400]نظرية تجزئة القرآن تصحيح لجميع المناهج التفسيرية للقرآن

--------------------------------------------------------------------------------

نظرية تجزئة القرآن الحلقة الأولى

بدءاً نقول إن الباحث لكي يستطيع أن يجني ثمار هذه النظرية التي تطرح كبديل للنظريات والمدارس التفسيرية السائدة ، عليه أن يتجرد من العبودية لأساسيات النظرية القديمة ولا يستسلم لنزعة التحجر للأسماء وينظر بعين الحيادية ، أما إذا درس هذه النظرية وهو قد أعطى حكماً مسبقاً عليها فننصحه بعدم الإطلاع عليها .
وفي اعتقادي ( ان الذي يطلع على هذه النظرية يجد فيها أداة الحسم والكلمة الفصل للكثير من الجدل والتناقض الذي وقع فيه عموم المفسرين عند تفسيرهم لآيات عديدة , كما إنها تعتبر المفتاح للعديد من خزائن كنوز المصحف الشريف التي بفتحها يستطيع الباحث الوصول لبعض الأسرار الإلهية التي حفظها المولى تبارك وتعالى في كتابه المنزل .
وتستند هذه النظرية على ربط القرآن بالقرآن وشهادة الكتاب بعضه لبعض ، كيف لا وهو {الْكِتَابِ الْمُبِينِ} و{آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ} ، كما وتستدل النظرية بروايات النبي الأكرم وأهل بيته الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ) . وتتلخص هذه النظرية في إن القرآن ليس كتاباً واحداً – بالمعنى الموضوعي أو المادي – وإنما هو عبارة عن عدة كتب ، أختص كل كتاب منها بموضوع خاص به ) .
وأما تفاصيل وأدلة هذه النظرية فسنتعرض لها بعونه تعالى .

القرآن والكتاب

قبل البدء بتفاصيل النظرية ، نحاول إيضاح العلاقة التي تربط بين لفظ (القرآن) ولفظ ( الكتاب) ، إذ إن الفكرة المترسخة عند عامة المشتغلين بعلوم القرآن إن لفظ (الكتاب) يعني (القرآن) وهذه الفكرة وإن كان فيها جانب من الصحة إلا إن الأخذ بها في كل حال سيضعنا إمام إشكالات منها ما ذكرناه سابقاً ومنها ما لم نذكره .
فعلاوة على ما ذكرنا سابقاً نضيف إن لفظ (الكتاب) غالباً ما يشار إليه في كلام الله تعالى ، بقوله { ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } البقرة 2.
بمعنى إن الإشارة إليه تكون بالإشارة إلى البعيد وقليلة هي الموارد التي يشار فيها إلى (الكتاب) بالقريب ، مثل {وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً}- الأحقاف12
بينما لا تكون الإشارة إلى ( القرآن ) إلا بالقريب مثل قوله تعالى {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا القرآن عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ } الحشر21.
وقوله تعالى { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً }- الإسراء89.
وقوله تعالى { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا القرآن لأُنذِرَكُم بِهِ } الأنعام19.
لذا فلا يصح أن نقول إن البعيد هو نفسه القريب ولو من باب الاختلاف في المقامات .
ثم إن مادة (الكتاب) هي الفعل (كتب) ومادة (القرآن) هي الفعل (قرأ) فيكون (الكتاب) هو الحاوي لآيات الله حسب مقاماتها ، وهذا يقودنا إلى ( الكتاب التدويني ) الذي يمثل الظرف الحاوي على آيات الوحي المنزل على رُسل الله (صلوات الله عليهم أجمعين) والى (الكتاب التكويني) الذي يمثل هذا الكون الحاوي على آيات الخلق الافاقي والى (الكتاب الإنساني ) الذي يمثل آيات الله في خلق الإنسان .
قال تعالى {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } فصلت53.
فيكون التعريف الجامع لكل ما سبق إن الكتاب هو الظرف الحاوي على الآيات . أما ( القرآن ) فإنه مشتق من فعل (قرأ) قال تعالى {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } القيامة 17، 18.
وأما مجيئه بهذه الهيئة (قران) على وزن (فعلان) للدلالة على ( ما يقرأ في كل آن ).
وهنا تتضح العلاقة بين الكتاب والقرآن ، وهي علاقة العموم والخصوص . فالكتاب يعني القرآن ويعني غير القرآن . بينما لا يكون القرآن إلا من الكتاب .
وعلى هذا نستطيع أن نذكر ما تشير إليه الآية المباركة {الَرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ } الحجر1.
فطبقاً لما قدمناه لا يمكن تفسير (الكتاب) في الآية المباركة بأنها تعني (القرآن) فإنه سيكون من اللغو الذي لا مبرر له في تكرار لفظ (قران) في الآية ، سبحان الله عن ذلك.
إن أول خطوة في ما أسميناه (نظرية تجزئة القرآن) تنطلق من الفهم الصحيح لمعنى الآية الواردة في سورة البينة وهي قوله تعالى {رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ}- البينة2، 3.
ولقد أوردنا ما ذهب إليه المفسرون في سبب الإتيان بصيغة الجمع وما فيها من تهافت فقد عجز أرباب التفاسير عن تفسير هذه الآية الشريفة وشرحها بالوجه الصحيح فقد اضطروا إلى البحث عن معاني مجازية بعيدة كل البعد عن الحقيقة ليسحبوا الآية إلى حدود فهمهم .
وأما المعنى المناسب فهو الإقرار بما تصرح به الآية وهو احتواء هذه الصحف المطهرة وهي القرآن على كتب متعددة يبينها القرآن في مواضع متعددة ، سنشير إليها إن شاء الله ، فكما هو معروف من إن لفظ (كتب) يدل على مجموعة من الكتب وليس كتاباً واحداً .
وهذا لا يعني إن كل كتاب من هذه الكتب هو كيان منفصل عن غيره من الكتب انفصالاً يجعله لا يمت إليها بصلة ، بل هو يعني تقرير حالة من التخصص تجعل كل كتاب يضطلع بدوره عن غيره .
إن نظرية تجزئة القرآن تعني بمقتضى ما توصلنا إليه من تتبع آيات القرآن والتدبر فيها ، ان كتاب الله المنزل على نبيه المرسل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم تسليما) هو حاوي على أكثر من قرآن وأكثر من كتاب يجمعها كلها المصحف الشريف .
فهو – الكتاب الجامع – يحتوي على (قران كريم وكتاب كريم و قران مجيد وكتاب مجيد وقران حكيم وكتاب حكيم والفرقان وكتاب الذكر وكتاب المثاني وكتاب المحكم وكتاب المتشابه ، ولكل قران وكتاب من هذه الكتب خصوصية تميزه عن غيره .
فالقرآن الكريم يمتاز بصفة الكرم ويحتوي الآيات التي تمتلك هذه الصفة ، والقرآن المجيد يمتاز بصفة المجد والقهر الرباني والغلبة الإلهية ويحتوي آيات العزة والغلبة ، والقرآن الحكيم يحتوي آيات الحكمة وهو موجود في الكتاب الحكيم ، وكذلك الفرقان ، وكتاب الذكر ، وكتاب المثاني ، والمحكم ، والمتشابه وغيرها .
ورب سائل يسأل :
ما هو الدليل على صحة هذه النظرية ؟! .
فنقول إن القرآن أما أن يكون متجزئاً بالمعنى الذي أوردته النظرية أو لا ، وليس هنالك قسم ثالث ، فإذا ثبت صحة أحدهما انتفى القسم الآخر.
وفي مقام إيراد الأدلة المناسبة لإثبات ما ذهبت إليه النظرية نذكر مجموعة من الآيات التي توضح وتثبت المطلب :-

1- قوله تعالى {ص وَالقرآن ذِي الذِّكْرِ } ص1.
وهذه الآية تثبت إن من القرآن جزء مختص بالذكر اقتضى تسمية هذا الجزء به وجيء بالحرف النوارني (ص) لارتباطه وعلاقته بالذكر .
2- قوله تعالى {ق وَالقرآن الْمَجِيدِ } ق1.
وهي كسابقتها تحدد جزء من القرآن سمّته (القرآن المجيد) اختص بأخبار وقصص البطش والغلبة الإلهية على الأمم السالفة لاحظ قوله تعالى في نفس السورة {فَذَكِّرْ بِالقرآن مَن يَخَافُ وَعِيدِ} ق45.
وقال تعالى {اِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} . ثم قال تعالى {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} البروج12-21.
3- قوله تعالى {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ القرآن هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} البقرة 185
واضح من هذه الآية ان الفرقان جزء من القرآن وليس كل الكتاب قال تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ } الأنبياء48.
4- قوله تعالى {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}- آل عمران7.
وفي هذه الآية دلالة واضحة على إن في القرآن كتاب يسمى (المحكم) وآخر يسمى (المتشابه) لكل منهما خصائصه .
5- قوله تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالقرآن الْعَظِيمَ } الحجر87.
تفصل هذه الآية بين (كتاب المثاني) الذي منه فاتحة الكتاب وبين (القرآن العظيم) .
وأما ما ورد عن ثقل القرآن بيت العصمة (صلوات الله عليهم) من الأخبار الصحيحة التي يمكن الاستشهاد بها على صحة مضمون النظرية فمنها :-
أ- ما ورد عن محمد بن يعقوب الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن سنان أو عن غيره ممن ذكره قال : سألت أبا عبد الله عن القرآن والفرقان أهمها شيئان أو شيء واحد فقال (عليه السلام) : (القرآن جملة الكتاب والفرقان المحكم الواجب العمل به) الكافي ج2 ص620 باب النوادر.
وكذلك عن أبي عبد الله بن سنان قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن القرآن والفرقان فقال : ( القرآن جملة الكتاب وأخبار ما يكون والفرقان المحكم الذي يعمل به وكل محكم فهو فرقان ) تفسير العياشي ، بحار الأنوار ج89 ص15.
ب- وما ورد في دعاء الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم عرفة :
( يا الهي واله آبائي .. إلى أن قال .. واله المنتجبين ، ومنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، ومنزل كهيعص وطه ويس والقرآن الحكيم ) إقبال الأعمال ج2 ص80.
ج- وقال الإمام زين العابدين وإمام الساجدين علي بن الحسين (عليه السلام) في دعاءه عند ختم القرآن :
( ... وفرقاناً فرقت به بين حلالك وحرامك ... ) .
وقال : ( فاجعلنا ممن يرعاه حق رعايته ويدين لك باعتقاد التسليم لمحكم آياته ويفزع إلى الإقرار بمتشابهه وموضحات بيناته )( ).
ومن النصوص التي ذكرناها يتضح إن الفرقان جزء من القرآن مختص بالحلال والحرام كما في الفقرة (1) وما في الفقرة (ج) . وان الفرقان هو غير القرآن الحكيم كما في الفقرة (ج) .
ونخرج من هاتين المجموعتين نتيجة مفادها صحة مضمون نظرية تجزئة القرآن التي تضمن إيضاح معالم العديد من الآيات القرآنية التي يكون ظاهرها متناقضاً حسب النظريات التفسيرية التقليدية التي دأب عليها المفسرون .
وتشكل انعطافة قيمة في مسيرة تفسير القرآن ، وتضطلع بما عجز عن حل ما أشكل من الألفاظ القرآنية التي صنف فيها المفسرون وأطلقوا عليها (غريب القرآن) أو ( مشكل القرآن) وغيرها .
وستتضح معالم هذه النظرية كلما سرنا قدماً في هذا الكتاب .
نقلا من الموسوعة القرآنية للسيد القحطاني

يتبع
[/color]

الحلقة الثانية نظرية تجزئة القرآن - القرآن الكريم

--------------------------------------------------------------------------------



القـــرآن الكـــريم

بعد أن عرفنا الإطار العام لنظرية تجزئة القرآن وعرفنا إن القرآن يحتوي على عدة كتب يمتاز كل منها بوصف خاص به ويؤدي وظيفة تكفل بها ، وبعد أن بينا بعضاً من آراء المفسرين والغموض الذي يكتنف نظرتهم إلى الكثير من الآيات القرآنية ، نشرع بعون الله وتوفيقه في ذكر مفردات هذه الكتب والتفصيل ما أمكننا في كل كتاب .
قال تعالى في كتابه { إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ } الواقعة 77- 79.
فما هذا القرآن الذي وصفه الله تعالى في هذه الآية بأنه (قران كريم) ؟ .
طبعاً اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية لأن كل منهم ينظر بعين تختلف عن عين الآخر ويفكر بعقل غير عقل الآخرين .
فلما اعتمد المفسرون على الظن والعقل كانت النتيجة هذا الاختلاف ، وإمامنا الصادق (عليه السلام) يقول : ( إن ابعد شيء عن كتاب الله العقل) بحار الأنوار ج2 ص303.
ومثله قول أمير المؤمنين (عليه السلام) : ( دين الله لا يصاب بعقول الرجال) أوائل المقالات ص228.
وينعت ألائمة (عليهم السلام) الذي يفسر القرآن برأيه بالكفر بقولهم : ( من فسر برأيه آية من كتاب الله فقد كفر ) وسائل الشيعة ج27 ص204.
أما إذا كان التفسير قائماً على المعرفة الإلهية وعلوم أهل البيت (عليه السلام) وشهادة القرآن بعضه لبعض ، إذ إن القرآن بعضه يفسر بعض ، فإنه حتماً يصيب الحقيقة ويكشف السر .
يقول أهل التفسير إن المقصود بالقرآن الكريم هو كل القرآن أو المصحف الشريف ، وجميع آيات الكتاب ، وإذا كان كذلك فبماذا يفسرون قوله تعالى { لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ } علماً إن الكتاب من ناحية التفسير والتأويل قد مسه غير المطهرين وان بعض الفقهاء والمفسرين قام بتفسير القرآن وهناك من قام بتأويل القرآن .
إذن فالمقصود هو إن القرآن لا يعلم حقيقته وتأويله إلا المطهرون . وبعد البحث وربط القرآن بالقرآن وشهادة الكتاب بعضه لبعض وتصديق الروايات المعصومية لآياته ثبت إن المقصود بالقرآن الكريم الذي لا يمسه إلا المطهرون هو البسملة فقط وليس كل القرآن .
وحسب الربط المعادلاتي القائم على ربط القرآن بالقرآن وهذا يكون على ثلاث مراحل هي :

المرحلة الأولى :
إثبات إن البسملة قرآن
وقد قلنا في ما سبق إن لفظ ( قرآن ) يعني ما يقرأ في كل آن والبسملة أصدق ما يتصف بهذه الصفة كيف لا وأئمة الهدى (عليهم السلام) قد ندبوا إلى قرأتها على كل حال ، وأمروا شيعتهم بتصدر كل فعل أو قول بها ، ووصفهم أي عمل أو قول لم يبدأ بها بأنه ( أبتر ) .
فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : ( بسم الله الرحمن الرحيم ، أحق ما جهر به ، وهي الآية التي قال الله عز وجل { وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي القرآن وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً } ) بحار الأنوار ج82 ص51.
فأتضح من هذه الرواية أن البسملة هي الآية الموصوفة بأنها ( القرآن ) حيث قال في الآية { َإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآن ِ} أي البسملة وعلى هذا ثبت إن البسملة قرآن .

المرحلة الثانية :
إثبات وصف ( كريم ) للبسملة
قال تعالى حكاية عن بلقيس {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} النمل 35،36 .
حيث وصفت الآية الكتاب بأنه كريم وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ، إذن فالبسملة هي الكتاب الكريم .
ورد في الرواية الواردة عن الإمام الصادق (عليه السلام) وصف البسملة بأنها آية في القرآن ، حيث جاء عن أبي حمزة عن أبي عبد الله (عليه السلام) وروي أيضاً عن الباقر (عليه السلام) : (سرقوا أكرم آية في كتاب الله بسم الله الرحمن الرحيم وينبغي الإتيان به عند افتتاح كل أمر عظيم أو صغير ليبارك فيه) تفسير الميزان المجلد الأول ص15.
والمعروف إن لفظ أكرم فيها الكريم وزيادة ، ومن المعلوم إن لفظ أكرم هو صيغة مبالغة في الكرم والكريم يقال فلان أكرم من فلان فهو كريم ، وعليه تثبت ان البسملة تتصف بصفة الكرم .
وبحسب الربط الثلاثي القائم على الشبه بين ( الكتاب التكويني – الكون ) و ( الكتاب التدويني – القرآن ) و (الكتاب الإنساني – الإنسان) الذي سوف يتم الكشف عنه ، حيث خلق الله جل وعلا كل كتاب على سنخ الآخر إنما الاختلاف في المتعلق والعالم والظرف والزمان .
ومن الثابت إن البسملة بداية الكتاب التدويني (القرآن) والذي يكون محلها في الكتاب الإنساني (الإنسان) هو الرأس ومن المعلوم إن كرامة الإنسان في رأسه وانه يوصف بالذُل ، وبذل ماء الوجه إذا كان مطأطأ الرأس وإليه الإشارة في قوله تعالى مخاطباً المتكبرين حالة الذل التي يلاقونها في العذاب {ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ } الدخان48.
وقد ورد عن أمير المؤمنين ما يشتمل على هذا المعنى وهو قوله ( عليه السلام) : ( إن كل ما في القرآن قد أنطوى في أم الكتاب وكل ما في أم الكتاب قد انطوى في البسملة وكل ما في البسملة قد انطوى في الباء وكل ما في الباء قد انطوى في النقطة التي تحت الباء وأنا النقطة ) الفضائل والرذائل ص106.
من هذه الرواية المشهورة نلمس إن مصدر الإفاضة على أم الكتاب هي البسملة وهذه الإفاضة تعطيها صفة الكرامة ، فهي أصل القرآن ومصدره .

المرحلة الثالثة :
من الجمع بين ما حصلنا عليه في المرحلة الأولى ، مع ما حصلنا عليه في المرحلة الثانية ، حيث ثبت في أولاً إن البسملة قرآن ، وثبت ثانياً ان البسملة كريم فالنتيجة ان البسملة قرآن كريم .
ولما كان الله سبحانه وتعالى قد وضع البسملة (القرآن الكريم) في أول كتابه ليفيض عليها ومنها يصل إلى الجميع فإنه لا بد أن يكون هذا الفيض نازلاً على من يتمتع بصفة الكرم لكي يفيض هو أيضاً بما استقبله من فيض على الآخرين ولكي لا يبخل حتى باليسير على غيره .
ولما كانت البسملة هي أول من استقبل الفيض الإلهي فهي إذن القرآن الكريم وهي التي تتصف بصفة الكرم لذا فإن الله سبحانه وتعالى قد افتتح بها كلامه في القرآن ، فهي الباب لكل سورة .
ولما كان الله هو مصدر الفيض والعطاء والكرم وهو الحفيظ على الإنسان من خلال كلامه سبحانه وتعالى في كتابه ( المصحف الشريف ) .
والمعلوم إن المولى تقدست آلاءه يريد لهذا الفيض أن يستمر ويبقى ويصل إلى الجميع فإنه لابد أن يكون هذا الفيض النازل على من يتمتع بصفة الكريم لكي يفيض هو أيضاً بما استقبله من فيض على الآخرين ، ولكي لا يبخل حتى باليسير على عبده .
واليه الإشارة في الخبر المروي في عيون أخبار الرضا عن رسول الله ( صلى الله عليه واله وسلم تسليما) : قال الله عز وجل : .. إلى أن قال .. فإذا قال العبد : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) قال الله جل جلاله : بدأ عبدي باسمي وحق علي أن اتمم له أموره وأبارك له في أمواله ). وهل إتمام الأمر وزيادة البركة إلا من صفة الكريم .
وفي عيون أخبار الرضا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : ( إن بسم الله الرحمن الرحيم آية من فاتحة الكتاب وهي سبع آيات تمامها ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ) وسائل الشيعة ج6 ص59.
وعنه (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم تسليما) قال : ( ... وان فاتحة الكتاب أشرف ما في كنوز العرش ، وإن الله عز وجل خص محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم تسليما) وشرفه بها ولم يشرك معه فيها أحداً من أنبياءه ما خلا سليمان (عليه السلام) فإنه أعطاه منها ( بسم الله الرحمن الرحيم ) يحكي عن بلقيس حين قالت { قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ }.. الخبر ) مستدرك الوسائل ج4 ص328.
وفي الكافي والتوحيد والمعاني والعياشي عن الصادق (عليه السلام) قال : (الباء بهاء الله والسين سناء الله والميم مجد الله – وفي رواية ملك الله- والله اله كل شيء الرحمن بجميع خلقه والرحيم بالمؤمنين خاصة) الكافي ج1 ص141.
فأول تجلٍ لله في محمد (صلى الله عليه وآله وسلم تسليما) ومنه أفاض التجليات والموجودات الأخرى .
وأول تجلٍ هو النقطة ومن النقطة أفاض الباء ومن الباء أفاض البسملة ومن البسملة أفاض القرآن .
وكما ورد في الحديث : ( العلم نقطة كثرها الجاهلون) - الصراط المستقيم ج1 ص181.
فمن النقطة تكوّنت الحروف ومن الحروف تكوّنت الألفاظ ومن الألفاظ تكوّن الكلام . فلو طوي الكلام في الألفاظ ثم طويت الألفاظ في الحروف ثم طويت الحروف لكانت النتيجة نقطة .

النقطة ونور الله

قلنا إن النقطة هي مصدر الفيض الإلهي ومنها انبثق الوجود ، وللنقطة ظاهر وباطن ، فظاهرها محمد (صلى الله عليه وآله وسلم تسليما) وباطنها علي (عليه السلام) .
لذلك فقد أسندت الرسالة من قبل المولى تبارك وتعالى لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم تسليما) إذ اصطفاه واختاره رسولاً وخاتماًَ للأنبياء وأعطاه التنزيل وفضله على النبيين وبه ختم الشرائع والرسالات وخص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام) بالإمامة التي هي باطن الرسالة وأعطاه التأويل الذي هو باطن التنزيل .
فالتأويل مرتبط بعلي أمير المؤمنين (عليه السلام). فقد جاء عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم تسليما) لعلي (عليه السلام) : ( يا علي قاتلت على التنزيل وتقاتل من بعدي على التأويل ) كشف اليقين ص366 .
إن علاقة علي (عليه السلام) بالنقطة علاقة حميمة لا تنفك أبداً . فعلي هو النقطة كما جاء في الرواية الواردة عنه : ( إن جميع أسرار الكتب السماوية هي في القرآن وجميع ما في القرآن هي في الفاتحة وجميع ما في الفاتحة هو في البسملة وجميع ما في البسملة هو في الباء وجميع ما في الباء في النقطة التي تحت الباء وأنا النقطة التي تحت الباء ) - ينابيع المودة.
ومن المؤيدات لذلك عدة أمور :
1- إن ولادة أمير المؤمنين (عليه السلام) في بطن الكعبة الذي هو المحور والمركز والنقطة بالنسبة للكون ، وله عدة دلالات منها إن علياً (عليه السلام) قد اختص بعلم التأويل والباطن فإن لولادته في باطن الكعبة إشارة إلى ذلك المعنى .
إن مركز الكون (الكتاب التكويني) هو الكعبة المشرفة التي هي نقطة الكون لذا فإن الهداية قد جاءت من الكعبة عن طريق إبراهيم ( عليه السلام) ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم تسليما) وباطن الهداية هو علي (عليه السلام) لأن علي (عليه السلام) هو من ولد في باطن الكعبة .
قال تعالى {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } الرعد 7
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم تسليما) : ( أنا المنذر وعلي الهادي ) بحار الأنوار ج9 ص106.
2- إن قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم تسليما) : ( أنا مدينة العلم وعلي بابها ) وسائل الشيعة ج27 ص34 ، إنما يعود ذلك لكون علي (عليه السلام) هو باطن النقطة.
كما روي عنه (عليه السلام) : (أنا النقطة التي تحت الباء).
فالنقطة هي أصل الخلق ، وأصل العلم ، وأصل الرحمة ، وأصل الوجود ، وأصل الهداية .
فإن أصل العلم من القرآن ، والعلم كله في القرآن ، والقرآن مدينة ، وبابها النقطة والنقطة هي علي (عليه السلام) فعلي باب تلك المدينة التي هي القرآن والتي هي الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم تسليما) .
يتبع

منقول من الموسوعة القرآنية للسيد القحطاني






الحلقة الثالثة - نظرية تجزئة القرآن - القـرآن المجـيد (الكتاب العـزيز)

--------------------------------------------------------------------------------

القـرآن المجـيد (الكتاب العـزيز)

ورد ذكر القرآن المجيد مرتين في الكتاب ، أولاهما في قوله تعالى :
{إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيد إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} سورة البروج 12- 22 .
ولو تأملنا ملياً في هذه الآيات المباركة من سورة البروج للاحظنا إن هذه الآيات تتحدث عن مجد الله تعالى وبطشه ، وقد ذكر فيها المولى جل وعلا العرش المجيد ، والعرش المجيد هو أحد أركان العرش الثلاثة – سنعرض لها في عنوان منفصل – وذكر أيضاً تقدست أسماءه القرآن المجيد ، والقرآن المجيد يرتبط ذكره دائماً بالعذاب والبطش الإلهي الذي ينزل بالأمم الماضية التي عتت عن أمر ربها فأخذها أخذ عزيز مقتدر .
وذكر الله عز وجل إن القرآن المجيد هو في اللوح المحفوظ ، ويمكننا القول إن القرآن المجيد مرتبط دائماً بذكر الأمم السالفة وهو يحكي عن العزة والغلبة لله الواحد القهار .
وأما المورد الثاني الذي ذكر فيه القرآن المجيد فهو في سورة (ق) إذ قال تعالى {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ}.
ففي هذه السورة يقص الله خبر الأمم السالفة وتكذيبها للرسل وإنزال القصاص بها قال تعالى :
{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوط وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ} سورة ق 12-14.
وقوله تعالى {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ} ق36.
فالسورة تذكر عدة أقوام من الأمم الماضية وكيف قهرها الله تعالى وبطش بها .
كما أن السورة تشير إلى سر من أسرار الله تعالى ألا وهو سر (قاف) المرتبط بالقرآن المجيد ، وفي هذه السورة بالتحديد ذكر الحرف (قاف) ، إذ تكرر ورود الحرف (قاف) في ألفاظ السورة (57) مرة ، وهذا التكرار له مدلولاته إذ هو من مضاعفات العدد (19) حيث 57 = 3×19 والعدد (19) مرتبط بأسرار القرآن ارتباطاً وثيقاً ، {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } المدثر30، هذا من جهة .
ومن جهة أخرى فقد وردت أحاديث كثيرة عن أهل بيت الرسالة تصف قاف وصفاً ينم عن دور لهذا السر في قضية البطش والغضب الإلهي .
ففي الدر المنثور لمحيي الدين الطبري عن ابن عباس قال : (خلق الله تعالى من وراء هذه الأرض بحراً محيطاً بها ثم خلق من وراء ذلك جبلاً يقال له ق والسماء الدنيا ترفرف عليه).
وفيه أخرج ابن المنذر وابن مردويه وأبو الشيخ والحاكم عن عبد الله بن بريدة في قوله تعالى ( ق) قال : جبل من زمرد محيط بالدنيا عليه كتفا السماء تفسير الثعلبي ج9 ص92.
وفيه أيضاً عن ابن عباس قال : (خلق الله جبلاً يقال له ق محيط بالعالم وعروقه إلى الصخرة التي عليها الأرض فإذا أراد الله أن يزلزل قرية أمر ذلك الجبل فحرك العرق الذي يلي تلك القرية فيزلزلها ويحركها فمن ثم تحرك القرية دون القرية ) تفسير الميزان المجلد التاسع ص323.
وتجدر الإشارة هنا إلى ما ورد في دعاء السمات المعروف : (وبمجدك الذي ظهر لموسى بن عمران عليه السلام على قبة الرمان وبآياتك التي وقعت على ارض مصر بمجد العزة والغلبة بآيات عزيزة ).
والقرآن المجيد هو في الكتاب العزيز وبهذا يثبت لنا إن القرآن المجيد ( الكتاب العزيز) مرتبط دائماً بذكر الأمم السابقة ويحكي عن العزة والغلبة لله الواحد القهار .

العرش في القرآن
ذكر المولى تبارك وتعالى لفظة العرش مع وجود صفات مختلفة له في ثلاث مواضع من القرآن وبثلاث صيغ وهي قوله تعالى :
{فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} التوبة129 .
وقوله تعالى { وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيد ُ} البروج 14، 15.
{فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ } المؤمنون116.
وقد لاحظنا ارتباط القرآن المجيد بالعرش المجيد ، وهذا يقودنا إلى التسليم بارتباط القرآن العظيم بالعرش العظيم والقرآن الكريم بالعرش الكريم . فما هي صفة الارتباط هذا ؟
ذكرنا سابقاً ما ورد عن أبي إمامة الباهلي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم تسليما) قال : ( أعطيت آية الكرسي من كنز تحت العرش ولم يؤتها نبي كان قبلي ) بحار الأنوار ج19.
فيتضح إن ( آية الكرسي ) التي هي ( القرآن العظيم ) هي من العرش العظيم – أحد قوائم العرش ومن هنا نعرف إن القرآن الكريم من العرش الكريم والقرآن المجيد من العرش المجيد .
وهذا النظام الثلاثي هو سر من أسرار الله تعالى ، التي لم تدرك الأمم التي نزلت عليها الرسالات حقيقتها فذهبت في غير الوجهة التي أرادها الله .
فجعلوا منها : ( أباً ، وأبناً ، وروح القدس ) حقيقة الأمر إن هذا المثلث مغلق لا يمكن التعرف عليه ، ولا يوجد لدينا شيء مغلق تحدث عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم تسليما) غير هذا الحديث وهو مغلق أيضاً وهو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم تسليما) : ( يا علي لا يعرف الله إلا أنا وأنت ولا يعرفني إلا الله وأنت ولا يعرفك إلا الله وأنا ) تأويل الآيات ص143.
وإذا كان كل ما خامر العقول عن الله فالله غيره ، فإن محمداً ( صلى الله عليه واله وسلم تسليما) هو أول تجلٍ من تجليات الله وهكذا نزولاً ، واليه يشير الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله : ( نحن والله الأسماء الحسنى ) الكافي ج1 143.
ولقد قال تعالى في كتابه {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } الكافي ج1 143.
فيكون تجلي الله سبحانه في محمد (صلى الله عليه وآله وسلم تسليما) هو المقصود في قوله : ( هو الله ) .
ثم إن المقصود بقوله ( هو الرحمن ) أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي كان رحمة من الله ووسع في رحمته المؤمن والكافر ، ويكون هذا في الحياة الدنيا إذ لا رحمة للكافر في دار الآخرة فتكون هذه الرحمة عالية ومنقطعة .
وأما قوله تعالى (الرحيم) فهي الرحمة الخاصة الدائمة التي تختص بالمؤمنين وتدوم معهم إلى يوم القيامة وتمثلها الزهراء (صلوات الله عليها).
حيث ورد في الحديث : (إنها (عليها السلام) تلتقط شيعتها من النار كما يلتقط الطير الحب الجيد من الرديء ) كما جاء في الأخبار والروايات .
إذن فيكون انطباق قوائم العرش الثلاثة هم محمد وعلي وفاطمة ( سلام الله عليهم ) وبين هؤلاء الثلاثة يحتجب الله تعالى عن خلقه .
.















(آخر تعديل لهذه المشاركة : 09-25-2010 08:25 PM بواسطة محمد حسين الناجي.)
09-25-2010 08:13 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
rami111yousef غير متصل
عضو متقدم
****

المشاركات : 512
الإنتساب : Jul 2008
مشاركات : #3
RE: التفسير التجزيئي والتفسير التوحيدي للقرآن الكريم
الحقيقة انه موضوع عويص و شائك وتعقيد المور بهذه الطريقة متعب
هل هناك تفسير بيولوجي وآخر فلكي ؟؟
يا جماعة القرآن حسب زعم معتنقيه!! أنه عربي اللسان (وإعجازه لايصح إلا بالعربية!)
وبالتالي يفهمه كل ناطق باللغة العربية
دون الحاجة لتفاسير مختلفة ومتضاربة وأحياناً متناقضة
لم أفهم جيداً الفرق بين الاتجاه التجزيئي " أي المدلول اللفظي الذي تحمله الآية المطروحة للبحث"، و التفسير التوحيدي الموضوعي أو الإجمالي
وكنت أظن ان المعنى في الحالتين متطابق ولا يجوز ان يتبدل !!

إقتباس :إذن فأول اوجه الاختلاف الرئيسية بين الاتجاه التجزيئي في التفسير والاتجاه الموضوعي في التفسير ان الاتجاه التجزيئي يكون دور المفسر فيه دورا سلبيا يستمع ويسجل بينما التفسير....


...الموضوعي ليس هذا معناه وليس هذا كنهه وإنما وظيفة التفسير الموضوعي دائما في كل مرحلة وفي كل عصر ان يحمل المقولات التي تعلمها في تجربته البشرية ثم يضعها بين يدي القرآن الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ليحكم على هذه الحصيلة بما يمكن لهذا المفسر ان يفهمه ان يستشفه ان يتبينه من خلال مجموعة آياته الشريفة.
أذن فهنا يلتحم القرآن مع الواقع، يلتحم القرآن مع الحياة، لان التفسير يبدأ من الواقع وينتهي إلى القرآن لا انه يبدأ من القرآن وينتهي بالقرآن وينتهي بالقرآن فتكون عملية منعزلة عن الواقع منفصلة عن تراث التجربة البشرية بل هذه العملية تبدأ من الواقع وتنتهي بالقرآن بوصفه القيم والمصدر الذي يحدد على ضوئه الاتجاهات الربانية بالنسبة إلى ذلك الواقع.


الزميل محمد الناجي:
القرآن والكتاب هما مسميان لشيء واحد !! - هل هذا صحيح أم لا
مثلاً :
(الحاسب والكمبيوتر) هما مسميان لشيء واحد - صح

إقتباس :فالكتاب يعني القرآن ويعني غير القرآن . بينما لا يكون القرآن إلا من الكتاب ...
....
....
ونخرج من هاتين المجموعتين نتيجة مفادها صحة مضمون نظرية تجزئة القرآن التي تضمن إيضاح معالم العديد من الآيات القرآنية التي يكون ظاهرها متناقضاً حسب النظريات التفسيرية التقليدية التي دأب عليها المفسرون .
وتشكل انعطافة قيمة في مسيرة تفسير القرآن ، وتضطلع بما عجز عن حل ما أشكل من الألفاظ القرآنية التي صنف فيها المفسرون وأطلقوا عليها (غريب القرآن) أو ( مشكل القرآن) وغيرها .
وستتضح معالم هذه النظرية كلما سرنا قدماً في هذا الكتاب .
عزيزي الكريم هل يمكنك ذكر مشكلة واحدة من مشكل القرآن أو غريب القرآن تم حلها مثلاً

هل يمكنك أن تفسر لي بعض الأحرف الغريبة في بدايات سور القرآن مثلاً اعتمادا على هذه النظرية؟؟
09-25-2010 09:52 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
عقلينوس ! غير متصل
عضو فعّال
***

المشاركات : 118
الإنتساب : Sep 2010
مشاركات : #4
الرد على: التفسير التجزيئي والتفسير التوحيدي للقرآن الكريم
تعقيد الامور العقائدية في الإسلام وإطلاق لفظ العلم الشرعي عليها كان الهدف منها هو قمع اي محاولة للنظر في العقيدة الإسلامية بنظرة مجردة عقلانية ، إذا ان الباحث سيغوص في هذه الامور الشائكة التي لا فائدة منها ، وعلى سبيل المثال تم جعل الناسخ والمنسوخ في القران علم بحد ذاته مع انه احد اشهر الإسقاطات الإسلامية ولكن الإستقلال به كعلم سيبدد النظر عنه و سيجد له مبررات دينية ، حالياً عندما يمر رجل دين إسلامي على قضية الناسخ والمنسوخ فلا يعتبرها سواء علم من العلوم الدينية وليست سقطـة .
تحياتي ؛؛

Islam not for me
09-25-2010 10:46 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
علي قادر غير متصل
عضو مشارك
**

المشاركات : 20
الإنتساب : Oct 2010
مشاركات : #5
RE: التفسير التجزيئي والتفسير التوحيدي للقرآن الكريم
نظرية التفسير الحرفي

ان للقران الكريم تفسير وتأويل و ان التفسير للظاهر وان التأويل للباطن والاَن نقوم بتوضيح نظرية واسعة للتفسير الحرفي للقران وهي فيها بواطن تأويلية عديدة وتعتمد اصولها على معرفة بواطن الحروف وهي ترتكز على معرفة علم الحروف وارتباطاته العديدة والتي منها الفلكية والطبيعية والزمانية والمكانية هذا من ناحية ومعرفة علم الائمة المعصومين (ع) من ناحية اخرى ، حيث ان العمل بهذه النظرية من دون معرفة حقيقية بعلم الامام المعصوم يصبح من العسير تفسير ولو حرف واحد من كلمة واحدة في اية من كتاب الله ، اي لا يستطيع احد مهما بلغت علومه ان يخوض في غمار هذا البحر الزاخر من العلم الا من كان متصلاً بالامام المعصوم او مسدد تسديداً مباشراً منه . ان الله تبارك وتعالى عندما خلق الحروف جعلها اصلاً لكل شيء ودليلاً على كل مدرك ومنها خلق جل وعلا العبارات كلها وعلمها خلقه والحروف هي ثلاث وثلاثون حرفا فمنها ثمانية وعشرون حرفاً تدل على لغات العربية ومن الثمانية والعشرين اثنان وعشرون حرفاً تدل على لغات السريانية والعبرانية ومنها خمسة احرف منحرفة في سائر اللغات من العجم لأقاليم اللغات كلها ، فقد ورد في بحار الانوار ج10 - عن الامام الرضا (ع) في حديث طويل في مجلس المأمون قال(ع) :( .... واعلم ان الابداع والمشيئة والارادة معناها واحد واسمائها ثلاثة وكان اول ابداعه وارادته ومشيئته الحروف التي جعلها اصلا لكل شيء ودليلا على كل مدرك وفاصلاً لكل مشكل وبتلك الحروف تفريق كل شيء من اسم حق وباطل او فعل او مفعول او معنى او غير معنى وعليها اجتمعت الامور كلها ولم يجعل للحروف في ابداعه لها معنى غير انفسها يتناهى ولا وجود لها لانها مبدعة بالابداع والنور في هذا الموضع اول فعل لله الذي هو نور السماوات والارض والحروف هي المفعول بذلك الفعل وهي الحروف التي عليها الكلام والعبارات كلها من الله عز وجل علمها خلقه وهي ثلاث وثلاثون حرفاً فمنها ثمانية وعشرون تدل على لغات العربية ومن الثمانية والعشرين اثنان وعشرين حرفاً تدل على السريانية والعبرانية ومنها خمسة احرف متحرفة في سائر اللغات من العجم لأقاليم اللغات كلها وهي خمسة احرف تحرفت من الثمانية والعشرين الحرف من اللغات فصارت الحروف ثلاثة وثلاثين حرفاً فاما الخمسة المختلفة فحجج لا يجوز ذكرها اكثر مما ذكرناه ثم جعل الحروف بعد احصائها واحكام عدتها فعلا منه كقوله عز وجل (( كن فيكون )) وكن منه صنع وما يكون به المصنوع فالخلق الاول من الله عز وجل والابداع لا وزن له ولا حركة ولا سمع ولا لون ولا حس والخلق الثاني هي الحروف لا وزن لها ولا لون وهي مسموعة موصوفة غير منظور اليها والخلق الثالث ما كان من الانواع كلها محسوسا ملموسا ذا ذوق منظور اليه والله تبارك وتعالى سابق للابداع لانه ليس قبله عز وجل شيء ولا كان معه شيء والابداع سابق للحروف والحروف لا تدل على غير نفسها ، قال المامون : وكيف لا تدل على غير نفسها ؟ قال الرضا (ع) : لان الله تبارك وتعالى لا يجمع منها شيء لغير معنى ابدا فاذا الف منها احرفا اربعة او خمسة او ستة او اكثر من ذلك او اقل لم يؤلفها لغير معنى ولم يك الا لمعنى محدث لم يكن قبل ذلك شيئاً ، قال عمران : فكيف لنا بمعرفة ذلك؟ قال الرضا (ع) : اما المعرفة فوجه ذلك وبيانه انك تذكر الحروف اذا لم ترد بها غير نفسها ذكرتها فرداً فقلت (أ ب ت ث ج ح خ ) حتى تاتي على اخرها فلم تجد لها معنى غير انفسها فاذا الفتها وجمعت منها احرفاً وجعلتها اسماً وصفة لمعنى ما طلبت ووجه ما عنيت كانت دليله على معانيها داعية الى الموصوف بها ، واعلم انه لا تكون صفة لغير موصوف ولا اسم لغير معنى ولا حد لغير محدود والصفات والاسماء كلها تدل على الكمال والوجود ولا تدل على الاحاطة كما تدل على لحدود التي هي التربيع والتثليث والتسديس ....) يتبين لنا من هذه الرواية الشريفة ان عالم الحروف هو عالم كبير ومتشعب وفيه اسرار عظيمة ومنها مفاتيح لكنوز المعرفة . ان معنى الحرف الواحد يختلف من كلمة الى اخرى وهو ليس بالمعنى اللفظي المنطوق او المسموع بل المعنى الذي يكمن في الحرف نفسه والذي تتحكم فيه عدة عوامل ( سنحاول باذن الله التطرق ولو لبعضها ) والذي يجعل الحرف يعطي معناً واضحاً يسهل ويفصّل التفسير ويسرد المعنى الواضح للكلمة الواحدة من الاية وبالتالي معرفة تفسير الاية ومجموع السورة باكملها وفق نظام دقيق ومتوازن ولا يقبل الخطأ مطلقا حيث يجعل من معنى مفردة واحدة في القران الكريم يؤدي الى شرح مفصل ومسهب بل الحرف الواحد في هذه النظرية يطول تفسيرة الى ساعة كاملة ، حيث ورد في بحار الانوار ج19 عن محمد بن عبد الواحد في كتابه باسناده : ان علي بن ابي طالب (ع) قال : ( يا ابا عباس اذا صليت عشاء الاخرة فالحقني الى الجبانه . قال : فصليت ولحقته وكانت ليلة مقمرة . قال : فقال (ع) ما تفسير الالف من الحمد ؟ قال: فما علمت حرفا اجيبه . قال : فتكلم في تفسيرها ساعة تامة . قال: ثم قال لي : ما تفسير اللام من الحمد؟ قال: فقلت لا اعلم ، فتكلم في تفسيرها ساعة تامة . قال : ثم قال (ع) فماتفسير الحاء من الحمد ؟ قال: فقلت لا اعلم . قال: فتكلم في تفسيرها ساعة تامة ، ثم قال لي : فما تفسير الميم من الحمد ؟ قال : فقلت لا اعلم . قال : فتكلم في تفسيرها ساعة تامة ، ثم قال : فما تفسير الدال من الحمد ؟ قال : فقلت لا ادري . قال: فتكلم تفسيرها الى ان برق عمود الفجر . قال : فقال لي قم يا ابا عباس الى منزلك وتأهب لفرضك . قال : ابو العباس عبد الله بن عباس فقمت وقد وعيت كلما قال ، ثم تفكرت فاذا علمي بالقران في علم علي (ع) كالقرارة في المتفجر . قال القرارة : الغدير والمتفجر البحر ) كما انه يختلف معناه عن غيره حسب موقعه من الكلمة وحسب وضعه من عدة مؤثرات اخرى ، وعليه فهناك عدة مراحل او مجالات للتفسير الحرفي للقران وهي : -
المجال الاول : (علم الابجدية) - هناك العشرات من الروايات الواردة عن النبي (ص) واهل بيته الطاهرين تؤكد على ضرورة تعلم هذا العلم المتسع ( علم الابجدية ) بل ورد عن الرسول الاكرم (ص) القول بالويل لعالم جهل الابجدية ، حيث ان لهذا العلم مدخليه مهمة في القران والكون كله ، وكان هذا العلم عند اهل البيت من علوم الباطن والتأويل ، كما ان لهذا العلم مدخلية وطيدة في علم الجفر الذي هو من مختصات الائمة المعصومين وخصوصا الامام الصادق (ع) ، ويعني هذا العلم ان الحروف التي يتكون منها الكلام والتي يكون مقدارها ثمانية وعشرين حرفاً لكل حرف رقم خاص به ، وينقسم علم الابجدية الى قسمين : القسم الاول : وهو الظاهر والمشهور (الابجد الكبير ) . والقسم الثاني هو ( الابجد الصغير) . والابجد الصغير يعتبر اقل شهرة من الابجد الكبير ويستخدمه اهل الفلك والنجوم وهو الذي ينتج من تقسيم ارقام الابجد الكبير على العدد (12) الذي هو عدد الابراج والباقي من قسمة ذلك العدد يكون رقم للحرف ، والابجد الصغير هذا له مدخلية واسعة في علاقة اهل البيت (ع) بالقران الكريم ، فقد ورد في روايات اهل البيت (ع) عن طريق تفسير الايات القرانية بواسطة علم الابجدية حيث ان هناك تشابها بل تطابقا بين الامام علي (ع) وطالوت ، فقد قال تعالى(( ان الله بعث طالوت ملكا)) فلو احصينا حروف علي (ع) نجدها تساوي حروف طالوت بالابجد الصغير . علي = ع + ل + ي وهي ( 10+6+10=26) اما طالوت فهي طالوت = ط+ ل +أ +و+ت ، وهي ( 9+1+6+6+4=26) وكذلك ورد عن الرسول الاكرم (ص) ان كل لفظ ( يا بني اسرائيل ) يعني ( يا بني علي ) في القران الكريم ، فلو احصينا عدد حروف اسرائيل لتبين انها تساوي (26) وهو كما ظهر يساوي عدد حروف علي وهو كالاتي : (علي =26 ، واسرائيل = ا+س+ر+ا+ي+ل ، اي 1+0+8+1+10+6=26 ). وهذا يبين لنا علة الرواية الواردة عن رسول الله (ص) وتطابقها مع القران الكريم حيث قال(ص) :( لتركبن سنة من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة ولا تخطئون طريقتهم شبرا بشبر وذراعا بذراع وباعا بباع حتى ان لو كان من قبلكم دخل جحر ضب لدخلتموه . قالوا اليهود والنصارى يا رسول الله ؟ قال(ص) فمن اعني لينقضن عرى الاسلام عروة عروة فيكون اول ما تنقضون دينكم الامامة واخره الصلاة ) تفسير القمي . هذا وقد ورد تطابق اسم فاطمة سيدة نساء العالمين (ع) بأسم مريم سيدة نساء بني اسرائيل (ع) فلو احصينا كلا الاسمين لوجدناهما متطابقين : فاطمة= ف+ا+ط+م+ت ، وهي ( 26= 8+1+9++4+4 ) اما مريم = م+ر+ي+م ، فهي (26= 4+8+10+4) وغير هذا وقد ورد عن الاصبغ بن نباتة عن امير المؤمنين (ع) قال: سأل عثمان رسول الله (ص) عن تفسير ابجد فقال رسول الله (ص) : ( تعلموا تفسير ابجد فان فيها الاعاجيب ويل لعالم جهل تفسيره ، فسؤل رسول الله (ص) عن تفسير (ابجد) فقال : اما الالف فالاء الله حرفا بحرف من اسمائه واما الباء فبهجة الله واما الجيم فجنة الله وجلال الله وجماله واما الدال فدين الله ، واما (هوز) فالهاء هاء الهاوية فويل لمن هوى في النار واما الواو فويل لاهل النار واما الزاء فزاوية في النار فنعوذ بالله مما في الزاوية يعني زوايا جهنم ، واما (حطي) فالحاء حطوط الخطايا عن المستغفرين في ليلة القدر وما انزل به جبرائيل مع الملائكة الى مطلع الفجر اما الطاء فطوبى لهم وحسن مآب وهي شجرة غرسها الله ونفخ فيها من روحه وان اغصانها لترى من وراء سور الجنة تنبت بالحلي والحلل متدلية على افواههم واما الياء فيد الله فوق خلقه باسطة سبحانه وتعالى عما يشركون ، واما (كلمن) فالكاف من كلام الله (( لا تبديل لكلمات الله ولن تجد من دونه ملتحداً)) واما اللام فألمام اهل الجنة بينهم في الزيارة والتحية والسلام وتلاوم اهل النار فيما بينهم واما الميم فملك الله الذي لا يزول ودوامه الذي لا يفنى واما النون فـ( ن والقلم وما يسطرون ) والقلم قلم من نور وكتاب من نور في لوح محفوظ يشهده المقربون وكفى بالله شهيداً ، واما (سعفص) فالصاد صاع بصاع وفص بفص يعني الجزاء بالجزاء كما تدين تدان ان الله لا يريد ظلما للعباد ، واما (قرشت) يعني قرشهم فحشرهم ونشرهم يوم القيامة قضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون ) .
المجال الثاني : (معرفة معنى الحرف) - ان لكل حرف معنى يختلف عن الاخر وحسب موضعه من الكلمة كما قدمنا ، واليك بعض الروايات التي تثبت ذلك : فقد ورد في بحار الانوار ج3 عن وهب القرشي عن ابي عبد الله الصادق(ع) عن ابيه الباقر(ع) في قول الله عز وجل (( قل هو الله احد )) قال(ع) ( قل اي أظهر ما اوحينا اليك ونبأناك به بتأليف الحروف التي قرأناها لك ليهتدي بها من (( القى السمع وهو شهيد)) وهو اسم مشار ومكنى الى غائب فالهاء تنبيه عن معنى ثابت والواو اشارة الى الغائب عن الحواس كما ان قولك هذا اشارة الى الشاهد عند الحواس وذلك ان الكفارنبهوا عن الهتهم بحرف اشارة الشاهد المدرك فقالوا هذه الهتنا المحسوسة المدركة بالابصار فأشر انت يا محمد الى الهك الذي تدعو اليه حتى نراه وندركه ولا نسأل فيه فأنزل الله تبارك وتعالى ((قل هو الله احد)) فالهاء تثبيت للثابت والوا اشارة الى الغائب عن درك الابصار ولمس الحواس والله تعالى عن ذلك بل هو مدرك للابصار ومبدع للحواس ). وورد في تفسير البرهان عن يعقوب بن جعفر عن الامام موسى بن جعفر (ع) عندما اتاه نصراني يسال في حديث طويل فقال النصراني : اني اسألك اصلحك الله قال(ع) : سل ، فقال اخبرني عن الكتاب الذي انزل على محمد(ص) ونطق به ثم وصفه بما وصفت فقال: (( حم والكتاب المبين انا انزلناه في ليلة مباركة انا كنا منذرين فيها يفرق كل امر حكيم )) ما تفسيرها في الباطن؟ فقال(ع): اما ( حم )فهو محمد(ص) وهو في كتاب هود الذي انزل عليه وهو منقوص الحروف ، واما الكتاب المبين فهو امير المؤمنين علي(ع) واما الليلة ففاطمة (ع) واما قوله فيها يفرق كل امر حكيم يقول يخرج منها خير كثير فرجل حكيم ورجل حكيم ورجل حكيم ) . وقد ورد في تفسير البرهان عن ابي بصيرعن ابي عبد الله (ع) قال: سالته عن تفسير ((بسم الله الرحمن الرحيم)) قال (ع): ( الباء بهاء الله والسين سناء الله والميم ملك الله والله اله كل شيء والرحمن بجميع خلقه والرحيم بالمؤمنين خاصة ) وورد عن القطب الراوندي في (لب الالباب ) قال: قال امير المؤمنين(ع) : ( اعتل الحسين (ع) فاحتملته فاطمة (ع) فاتت النبي (ص) ، فقالت : يا رسول الله ادع لابنك ان يشفيه الله ، ان الله هو الذي وهبه لك ، وهو قادر على ان يشفيه ، فهبط جبرائيل فقال: يا محمد ان الله تعالى لم ينزل عليك سورة من القران الا فيها ( فاء ) وكل فاء من افة ما خلا الحمد ، فانه ليس فيها فاء ، فادع بقدح من ماء فاقرأ عليه الحمد اربعين مرة ثم صب عليه ، فان الله يشفيه ، ففعل ذلك ، فعوفي باذن الله ) وهناك العديد من الروايات التي تؤكد على ان لكل حرف معنى باطني غير المعنى الظاهري المنطوق والمسموع ويختلف باختلاف موقعه في الكلمة .
المجال الثالث : تقسيم الحروف الى اربعة اقسام : ترابية ومائية وهوائية ونارية - حيث تقسم الحروف الى هذه الاقسام الاربعة وتتحكم هذه الاقسام في معرفة معنى الحرف وتأثيره على الحرف المجازي له وانسجامه مع الحرف المقارب له او عدمه وبالتالي معرفة معنى الكلمة بوضوح تام بعد تفكيك حروفها وتقسيمها في هذا المجال على وفق الحروف الترابية والمائية والهوائية والنارية وبذلك تنفتح خبايا وخفايا اسرار الكلم .
المجال الرابع : تقسيم الحروف الى نورانية وظلمانية - تقسم الحروف الـ(28) الى (14) حرف تسمى بالحروف النورانية و(14) اخرى تسمى الحروف الظلمانية ، اما معرفة الحروف النورانية من الظلمانية فهي كالاتي :
عندما حضرت الوفاة الرسول الاكرم(ص) طلب منهم ان يكتب لهم كتاباً ويوصيهم بوصيه لا يظلوا بعدها ابداً ، فانه (ص) اراد ان يكتب لهم اوائل السور وهي الحروف المقطعة التي هي ( الم - الم- المص - الر - الر - الر - المر - الر - الر - كهيعص - طسم - طس - طسم - الم - الم - الم - ص - حم - حم - حم - عسق - حم - حم - حم - حم - ق - ن ) فانه عند حذف الحروف المكررة تكون النتيجة كالاتي :( ص ر ا ط ع ل ي ح ق ن م س ك هـ ) وهي الحروف النورانية ومجموعها (14) حرف ونلاحظ عند دمج هذه الحروف النورانية مع بعضها تتكون لدينا هذه الجملة ( صراط علي حق نمسكه) و(هذا يبين لنا ان الرسول الاكرم(ص) واهل بيته الاطهار (ع) كانوا يستخدمون هذه العلوم الجمة كي لا يتوصل اليها اعدائهم ولا يفك رموزها الا هم او من له اتصالاً مباشراً بهم او من علموه بعلمهم ) ، وبعد استخراج هذه الحروف النورانية تبقى الحروف الظلمانية الـ(14) ففي هذا المجال يكون التفسير وفق معرفة الحرف نورانياً كان او ظلمانياً وما يليه من الحروف ، وان كانت الكلمة كلها نورانية او كلها ظلمانية وهكذا .
المجال الخامس : تقسيم الحروف الى الجهات الاربع - وفي هذا المجال تقسم الحروف الى الحروف الشرقية والغربية والحروف الشمالية والجنوبية ، ويكون العمل بهذا المجال حسب مكانية الحروف واتجاهها فيختلف تفسير الكلمة التي تكون فيها حروف متجهه الى الشمال اي حروف شمالية بينما يختلف تفسيرها ان كانت فيها حروف جنوبية او شرقية او غربية وهكذا بل وحتى الحرف الواحد يختلف باطن تفسيره ان كان شرقياً او غربيا او شمالياً او جنوبياً ، فيكون المؤثر الاساسي في هذا المجال مكانية الحرف واتجاهه الى اي وجهه كانت كما قدمنا .
المجال السادس : تقسيم الحروف الى منقطة وغير منقطة - ان في هذا المجال يجب تقسيم الحروف الى قسمين منقطة وغير منقطة ، ان علم التنقيط هو علم واسع وزاخر ويمكننا معرفة معنى الحرف وفق هذه النظرية (نظرية التفسير الحرفي للقران) فأن كان فيها نقاط يختلف اختلافا كبيرا عن الحرف الذي يخلو من النقاط وكم نقطة يحوي ذلك الحرف فان لكل نقطة فيه لها اسرار وحقائق تختلف عن النقطة التي تليها وكذلك فان لكل نقطة في الحرف تختلف اختلافا تاما عن نقطة الحرف الاخر الذي يأتي بعده ، وهناك علم تنقيط اخر وهو(علم النقطة) وعلم النقطة يفيض اسرار وعلوماً باهرة لسنا بصدد التطرق اليه في هذا البحث ، اما الحروف الغير منقطة فيختلف معناها وحسب موقعها من المفردة وما يجاورها من الحرف الاخر فان كان الحرف المحاذي له هو من الحروف المنقطة فلها معنى يختلف عن جواره لحرف منقط وكذلك تؤثر عدد نقاط الحرف على الحرف المحاذي له والغير منقط .
المجال السابع : تقسيم الحروف الى السلبي والايجابي - وفي هذا المجال يمكن معرفة تفسير الحرف حسب وضعه الكهرومغناطيسي اي السلبي والايجابي فالحروف تنقسم الى قسمين : الحروف السلبية والحروف الايجابية وهي (14) حرف سلبي و(14) حرف ايجابي ويكون تقسيمها وفق الجدول التالي : -
نلاحظ في هذا الجدول ان الحرف الذي يكون تعداده مفرد هو حرف سالب اما الحرف الذي يكون تعداده زوجي (اي يقبل القسمة على 2) فهو موجب ( ويقصد بتعداده من تسلسل الحروف الـ 28) . ويتاثر تفسير الحرف الواحد من المفردة بحسب وضعه ان كان سلبيا او ايجابيا ويتأثر الحرف الذي يليه وحسب كهرومغناطيسية الحرف الاخر ومجموع المفردة ان كان سلبي فيعطي معناً مغايراً عن الايجابي والعكس كذلك وهو يؤثر على المعنى تأثراً تاماً .

((من فكر السيد القحطاني))
10-28-2010 02:48 PM
عرض جميع مشاركات هذا العضو إقتباس هذه الرسالة في الرد
إضافة رد 


المواضيع المحتمل أن تكون متشابهة .
الموضوع : الكاتب الردود : المشاهدات : آخر رد
  أبو حيان التوحيدي المختلف عليه فارس اللواء 2 691 09-13-2012 05:28 PM
آخر رد: فارس اللواء
  أقدم نسخة للقرآن فى العالم موجودة في روسيا واليمن !؟ الفكر الحر 1 691 05-17-2012 02:54 PM
آخر رد: JOHN DECA
  منهج الحوار في القرآن الكريم فارس اللواء 12 1,924 02-23-2012 10:32 PM
آخر رد: فارس اللواء
  الإعجاز في تحريف القرأن الكريم تمهيد مؤمن مصلح 117 25,804 11-16-2011 10:51 PM
آخر رد: الفكر الحر
  تفسيرالقرآن الكريم والحقيقة العلمية السيد مهدي الحسيني 4 1,352 11-12-2011 01:54 AM
آخر رد: السيد مهدي الحسيني

التنقل السريع :


مستخدمين يتصفحوا هذا الموضوع: 1 ضيف